محمد بن جرير الطبري

153

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ويحتجون في قولهم : " إنه ولد الله " ، أنهم يقولون : " لم يكن له أب يُعلم ، وقد تكلم في المهد ، شيءٌ لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله " . ( 1 ) ويحتجون في قولهم : " إنه ثالث ثلاثة " ، بقول الله عز وجل : " فعلنا ، وأمَرنا ، وخلقنا ، وقضينا " . فيقولون : " لو كان واحدًا ما قال : إلا " فعلت ، وأمرتُ وقضيتُ ، وخلقت " ، ولكنه هو وعيسى ومريم " . ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن ، وذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فيه قولهم . فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلما ! قالا قد أسلمنا . قال : إنكما لم تسلما ، فأسلما ! قالا بَلى قد أسلمنا قَبلك ! قال : كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله عز وجل ولدًا ، وعبادتكما الصليبَ ، وأكلكما الخنزير . قالا فمنْ أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما ، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله ، صدرَ " سورة آل عمران " إلى بضع وثمانين آية منها . فقال : " ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ، ( 2 ) فافتتح السورة بتبرئته نفسَه تبارك وتعالى مما قالوا ، ( 3 ) وتوحيده إياها بالخلق والأمر ، لا شريك له فيه = رَدًّا عليهم ما ابتدعوا من الكفر ، ( 4 ) وجعلوا معه من الأنداد = واحتجاجًا عليهم بقولهم في صاحبهم ، ليعرّفهم بذلك ضلالتهم ، فقال : " اللهُ لا إله إلا هو " ، أي : ليس معه شريك في أمره . ( 5 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " بشيء لم يصنعه . . . " ، وهو كلام فاسد ، والصواب من المخطوطة . وفي ابن هشام : " وهذا لم يصنعه . . . " . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة لم يذكر " ألم " ، وأثبتها من ابن هشام . ( 3 ) في المطبوعة : " بتبرئة نفسه " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي ابن هشام : " بتنزيه نفسه " . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة : " وردًا عليه " بواو العطف ، وهو خطأ ، والصواب من ابن هشام . ( 5 ) الأثر : 6543 - في ابن هشام : " ليس معه غيره شريك في أمره " . والأثر رواه ابن هشام في سيرته مطولا ، وسيأتي بعد تمامه في الآثار التالية . سيرة ابن هشام 2 : 222 - 225 .